مقالات

(24) خلق آدم من تراب… معجزة إلهية

فإذا كان معنى الخلق هو الإيجاد والنشأة من عدم والإمداد من عدم على غير شبيهة ولا مثال سابق، فالله إذا أراد خلق شيء لا يحتاج إلى تعب ولا مجهود ولا معالجة وفيه التقدير لكل شيء قبل الخلق وفي الخلق وبعد الخلق، بحيث يقوم بعمله بشكل متقن وعلى أحسن وجه، في وجود العلم والخبرة واللطف في الماضي والحاضر والمستقبل عند نظر البشر إليه وهذا لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى.

ثم كان الأمر لهذا الشيء، الذي خلق وأصبح عنده سبحانه وتعالى مخلوق ومعد، وفي علمه ولكنه غيب عن علم البشر، وجاهز كي يرفع عنه الغطاء، فإذا أظهره ورفع عنه حجاب الغيب والغطاء، أصبح عند البشر في علم المشاهدة، وهو علم المعروف عنه قليل القليل، والمجهول عنه كثير الكثير في معنى الخلق والتدبير.

ثم كان الجعل وفيه معنى التصيير، كإنشاء شيء من شيء آخر، مثل الحراراة التي تحول الثلج من الصلابة إلى الماء أو مثل الحديد عندما يتغير من حالة إلى حالة أخرى، فيصير سيارة أو عجلة أو مفتاح وهذا معناه أن الجعل هو التصرف في الشيء بعد أن يتم خلقه وتقديره.

معنى الخلق هو الإيجاد والنشأة من عدم

وهذا معناه أيضًا أن خلق الكون والإنسان كان أولًا، ثم صدر له الأمر من قبل الله بكن فيكون  ثانيًّا ثم أنشأه شيء آخر في الجعل كان ثالثًا وقد يسبق الجعل الأمر بكن فيكون فيتقدم عليه في الخلق أو قد يتأخر عنه في التصيير، قال تعالى: “الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ” (يس: 80- 82).

كما أن الأمر المصاحب بخلق عيسى عليه السلام بكن فيكون، يعني أنه خلق قبل أن يوجد بهذا الأمر، بالرغم من الحديث عن مراحل الحمل المختلفة كما تحدث عن مراحل خلق آدم، فلا تعارض بين الخلق في مراحل كما في آدم وعيسى والأمر بكن فيكون، قال تعالى: “قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ” (آل عمران: 47).

وقال تعالى: “مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ” (مريم: 35).

وهذا فيه إعجاز كبير، لأنه لا يمكن فهم حقيقة خلق الكون، إلّا بعد فهم متعلقاته خاصة بالنظر في خلق آدم وعيسى عليهما السلام بكن فيكون.

الدكتور عبدالخالق حسن يونس، أستاذ الجلدية والتناسلية والذكورة بكلية الطب بجامعة الأزهر

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق