مقالات

إعجاز في معنى الحج

لم يخلق الله سبحانه وتعالى، الإنسان عبثًا في هذه الحياة، وإنما خلقه من أجل مهمة محددة، وواضحة المعالم، يتحكم فيها إطاره الزماني بعمره الذي يعيشه في الدنيا، منذ الولادة وحتي الوفاة، وإطاره المكاني والحيز والمساحة التي يشغلها، في كل شأن من شئون حياته، وبين الإطارين الزماني والمكاني، تنحصر مهمة الإنسان وحياته، في طاعة الله سبحانه وتعالي أو معصيته، والذي منحه الحياة بماديتها في الطعام والشراب والهواء، وروحه بنورانيتها في الطاعة والعبادة.

قال تعالى: “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ” (الذاريات 56-58).

فعلي الإنسان الذي وهبه الله سبحانه وتعالي، وفيها يتمتع بروحه وجسده، هبه من الله سبحانه وتعالي، ويتمتع بجمال الكون، بما فيه من سماء تحميه، وأرض تحويه وتحتويه، وكائنات مسيرة دائما، في خدمته ليل نهار وعلي مدار اللحظة، إعلان الولاء لله سبحانه وتعالي ، بلا ند ولا شريك .

ثم عليه إتباع مسيرة الإنبياء والمرسلين من أدم عليه السلام، إلي محمد صلي الله عليه وسلم، من أجل هدايته والترويح عن النفس الإنسانية، وزيادة معاني الخير في نفوس البشر، وحصر كل أسباب الشر فيها حتي يصبح في حده الأدني .

بعدها يتمكن الإنسان من  مراجعة نفسه، فيعزز فيها من الفضيلة ويقويها في نفوس الأخرين، ويسعي إلي تقليص الرذيلة وحصر مكامن الشر  في نفسه وفي نفس الأخريين إلي الحد الأدني، بحيث يتحول الإنسان إلي كتلة متحركة من الخير والحب والتسامح والمودة، ينشره في نفسه وبين أهله وجيرانه وفي كل إمتدادته عبر العالم.

ومن هذا المنطلق، كانت رحلة الحج الي بيت الله الحرام في مكة المكرمة، بمضامينها الكثيرة ومعانيها العظيمة، والتي علي رأسها ربط الإنسان بخالقه، من أجل إعلان الولاء لله سبحانه وتعالي، في كل خطوة يخطوها، وللتأكيد علي هذا المبدء الإيماني، الذي ينتقل فيها الإنسان المسلم من نموذج دنيوي موقوت بزمان ومكان محدد، إلي نموذج أخروي غير محدود الزمان والمكان .

فكان الحج، هو ذلك النسك الذي تتبلور فيه معاني الخلافة والأسماء والكلمات والبعث والفناء، كي يصنع منه، هذا النموذج الفذ والفريد في حياة الإنسان، فيهيء الإنسان المسلم بروحه وجسده، وينقله نقلة نوعية، في بضع ايام، من عز الدنيا الفانية الي غني الأخره الباقية، حتي لا يغتر الإنسان بدنياه المؤقته، ويوقن أنه ذاهب الي الأخرة الدائمة، لا محالة، بروحه وجسده مثله مثل وجوده في الدنيا المؤقته .

وكانت زيارة رسوله صلي الله عليه وسلم في المدينة المنورة، دليل علي إستكمال  الولاء الجامع  لمنهج النبوة المبلغ عن الله سبحانه وتعالي، والذي يجمع فيه كل من القرءان الكريم بكلماته واياته، والسنة النبوية بأقواله وأفعاله، كل ما أتي به الأنبياء والمرسلين علي مدار تاريخ الإنسان منذ أن خلق الله أدم عليه السلام .

فكان لهذين المنهجين الجامعين، منهج القرءان الكريم ومنهج النبوة، السبق في تهذيب هذا الجسد الترابي حتي يرقي به إلي مستواه النوراني، وتعزيز مكانة الإنسان عند الله سبحانه وتعالي، منذ أن قبلت الروح النورانية، من عند الله سبحانه وتعالي ورضيت، أن تسكن في هذا الجسد الترابي المعتم كي تصنع مزيجا بشريا راقيا تختلط فيه النورانية مع الترابية، حتي أصبح الإنسان يتجاذبه أصله الترابي مع أصله النوراني.

ومع إن الحج إلي بيت الله الحرام، والتوجه إلي القبلة، يتكرر مع المسلم، في الصلاة كل يوم خمس مرات في اليوم الواحد ، كي يعلي من أصل الإنسان النوراني ويسموا به إلي مستوي طاعة الملائكة، وينحي  جانبا من أصله الترابي، والذي يميل إلي الجانب السلبي الملتصق بالشر وفعل الشياطين .

وهذا يؤكد علي أهمية ديمومة، هذا  الشحن المعنوي الملائكي من الحج في الصلاة إلي الكعبة المشرفة كل يوم خمس مرات والتعلق بها، فإستمرار الإنسان بتلقي هذا الدعم المعنوي لروحه والمادي لجسده، من الله سبحانه وتعالي، هو الذي يؤكد علي زيادة فضيلة الخير في نفوس الناس، والإقلال بقدر الإمكان من خصلة الشر.

وتأكيدا لهذه الحقيقة الإيمانية، وذلك الدعم المادي والمعنوي، كان الهدف الحقيقي، الذي يقف من وراء فرض فريضة الحج، بزيارة البيت الحرام والطواف حوله، ولو لمرة واحدة في العمر.

مع تنافس كل من الروح والجسد المكونة للنفس البشرية، من أجل الإعلاء من مكانة الروح في النفس البشرية، كي تتدفع به إلي مصاف الملائكة، فتصفي روحه وتنقي جسده، وتخلص نفسه، من كل أدران الدنيا وملوثاتها وأوزارها .

وفي نفس الوقت تدعوه، الي تخليص الجسد من الأنانية والطمع، والكذب حب الذات، حتي يتجرد هذا الجسد الترابي، من كل رغبات وملذات الدنيا وشهواتها المؤقته، فتودي به إلي مكامن الخير وتدفع عنه الوقوع في مكامن الشر، إعدادا وإستعداد للأخرة .

ومن ثم كان الحج اليومي، من خلال الصلاة، والحج السنوي من خلال الفريضة المفروضة ، إلي بيت الله الحرام، هو بمثابة تطعيم بالفاكسين، كي يحصن المسلم ، ضد أمراض الدنيا الفتاكة، ويحميه من الوقوع في فخ الأمراض والمعاصي والمنكرات والزلات .

وفي نفس الوقت، يعزز من روح التقوي والإيمان، فيصبح كالجهاز المناعي، القائم علي حماية خلايا الجسم وأنسجته وأعضاءه وأجهزته، علي مدار الزمان، فيحميه من الإصابة بالأمراض الحادة والمزمنة، ويقوم بعمل صيانة دورية، وبإنتظام علي مدار الساعة لكل من الروح والجسد والإنسان.

فيصبح إنسان صحيح وسليم، معافي من الأسقام، ومن كل الأمراض الروحية والمادية علي حد سواء، فيحصن نفسه ويمنعها من الإختراق والوقوع في فخ الشهوات والمنكرات ويعزز من روح المودة والرحمة والتسامح بين الناس فيصبح إنسان سويا، خيره لكل الناس فيعلي ويعظم من قيم الخير ويقلل من  الشر في كل حال من حالاته، ومن ثم كان هذا هو الهدف المعلن من الحج اليومي من خلال الصلاة ، مصداقا لقوله سبحانه وتعالي  : ( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ) البقرة  238

ومن خلال القيام بالحج السنوي من خلال الفريضة المكتوبة، مرة في العمر، إذا استطاع الي ذلك سبيلا، مصداقا لقوله سبحانه وتعالي : ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ” ) آل عمران 97

فكان الحج درس عظيم في الإيمان، ودرس في تنمية القيم والفضائل والأخلاق الإنسانية، والحفاظ عليها في حياة المسلم بشكل دائم ومستمر دون إنقطاع، وفي نفس الوقت، فيها التعرف علي معني الإنتماء لله سبحانه وتعالي، ومعني العطاء من أجل رضاه في الدنيا، والتفرقة بين  قيمة الحياتين في الدنيا والأخرة، وإظهار لمعاني عظيمة مستنبطة من الحج، غابت عن الكثير من الناس في الخلافة والأسماء والكلمات والبعث والفناء  .

فأحرف كلمة الحج، فيها إعجاز، فيه معني الخلافة، وهي اسم فيه معني الأسماء، وهي كلمة فيها معني الكلمات، وفيها معني  البعث في الكلمة، وفيها معني الفناء في الكلمة ايضا ، فكلمة الحج فيها المعاني القرءانية الخمسة التي بني الله سبحانه وتعالي الكون في الخلافة والأسماء والكلمات والبعث والفناء.

وهذا كله يعزز من مكانة الإنتماء،الي الله سبحانه وتعالي في الدنيا، بعد أن يدرك الإنسان في نهاية المطاف، انه لا أمل في هذه الحياة ولا قيمة لها،  الا بالإستعانة بالله سبحانه وتعالي، فتصبح الدنيا المعبر السليم والطريق المستقيم الأمن الي الأخرة، بعد إيمانه الحقيقي والواقعي بالعقيدة والعبادة والمعاملة بلا لف ولا دوران، حتي لا يفقد كل ذلك بالرغم من إدعاءه الإيمان.

ولم تكن كلمة الحج فيها إعجاز الكلمات الخمسة التي اكدتها الحقيقة القرءانية ، وإنما ايضا في كل مناسك الحج ،  فيها معاني الأعمدة الخمسة، التي بني الله سبحانه وتعالي  عليها الكون، وذكرت في القرءان الكريم، ولا تجد شيء له أثره في الحياة، إلا ومبني علي هذه القواعد الخمسة، والمتمثلة في الخلافة والأسماء والكلمات والبعث والفناء .

وهذه المنظومة القرءانية، والتي تتكون من خمس كلمات، هي التي تتحكم ليس فقط، في مسيرة الكون وخلق الإنسان وسائر المخلقات، في الحياة، ولكنها ايضا،  تتحكم في مسيرة الحج ومناسكه، من الألف الي الياء.

فكل مسارات الحج ومناسكه، يظهر فيها معني الخلافة  التي أعلانها الله سبحانه وتعالي، علي ملائكته، من خلق أدم عليه السلام، بشكل واضح وجلي،  تبدء من أول خطوة يخطوها الإنسان ويتحركها، وهو في طريقه الي الحج، فكل خطوة يتحركها تخلف الخطوة الأخري، وكل حركة يتحركها تخلفها الحركة الأخري .

وكذلك يتضح معني الخلافة، في مختلف المشاعر والمناسك، التي يقوم بها الحج من النية والطواف والسعي بين الصفا والمروة، والتروية، والوقوف بعرفات، والذهاب الي المزدلفة ، ورمي الجمرات، والأضحية وغيرها من المناسك.

وفي نفس الوقت، فإن الإسماء مسيطرة بشكل كامل وتام ، علي كل موقع يتحرك فيه الحاج، وفيها معني الخلافة، فمنذ خروجه من بيته ووصوله الي المطار، وركوبه الطائرة، ثم وصوله الي مكه ومنها الي الفنادق، ثم الطواف حول الكعبة، والسعي بين الصفا والمروة، والشرب من ماء زمام، ثم الذهاب الي مني والتروية، ثم الوقوف بعرفات، والذهاب الي المزدلفة، ثم رمي الجمرات الثلاثة، الصغري والمتوسطة والكبري، ثم الإضحية، ثم التحلل من الإحرام، يعود بعدها الي حياته كما بدء، كلها أسماء اماكن يزورها كي يؤدي مناسك الحج .

والملاحظ أن كلمة الخلافة تخلف الأسماء في الحج، وأن الأسماء تخلف الخلافة في الحج، وكل من الخلافة والأسماء، كلمات يخلف بعضها البعض الأخر، في سلسلة متصلة الحلقات، حتي يهيء اليك أن الحج ينحصر في معني الخلافة والأسماء والكلمات، التي أعلانها  الله سبحانه وتعالي  أمام والملائكة، فانتقلت الي ادم وابناءه عبر الجينات الوراثية، وفي سائر المخلوقات بما فيها من حيوانات وطيور وحشرات ونباتات وجمادات وميكروبات وفيروسات وفطريات وطفيليات، وغيرها من المخلوقات.

وهذا في حد ذاته يظهر للإنسان، إعجاز القرءان الكريم في إنتقاء لكلماته، والتي تؤكد بما لا يدع مجال للشك أن الله سبحانه وتعالي، هو خلق الكون وخالق الإنسان، وهو منزل القرءان الكريم علي عبده ورسوله محمد صلي الله عليه وسلم.

 

الدكتور عبدالخالق حسن يونس أستاذ الجلدية والتناسلية والذكورة بكلية الطب بجامعة الأزهر

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق