مقالات

خلق الكون.. البداية والنهاية

خلق الكون البداية كانت ذرة والنهاية ستكون ذرة، وما بين البداية والنهاية نعيش نحن البشر في ذرة تمضي بنا قدمًا في الزمان والمكان، ونشعر بها داخل أجسادنا، فتكون مجموعة من الذرات، والتي بدورها تكون جزئ.

ومع كل الجزيئات، تتكون المادة التي خلقت منها سائر الكائنات الحية، سواء كان كون أو إنسان أو حيوان أو نبات أو جماد.

فعلى مستوى الكون، كان وراء خلق هذا الكون وتدبير شئونه بهذه الدقة المتناهية، والقائمة على مدار عمره المديد ومساحته الهائلة الممتدة في الفراغ من حولنا.

هذا الانفجار العظيم، الذي حدث داخل ذرة صغيرة من ذرات الهيدروجين، والتي تعتبر أصغر ذرة في الكون وتتكون من واحد برتون وواحد إلكترون وفراغ حول النواة، والتي تحمل في طياتها ذلك البرنامج العبقري المتعلق بالبعث والفناء.

مصداقا لقوله تعالي: “أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ” (الأنبياء/ 30).

ويبدو أن كلمة الانفجار العظيم التي تحدث عنها العلماء في نظرية خلق الكون، لا تتناسب مع هذه الدقة المتناهية والبراعة الفائقة التي تميز بها خلق الكون.

لو كان انفجارًا عظيمًا كما يقولون لكانت النتائج كارثية، والتي تتبعها سلسلة من الفوضى والعشوائية التي تملئ الكون عن آخره.

وهو ما لم يحدث على وجه الإطلاق، ما يعني أن التعبير القرأني هو الأكثر دقة في الحديث عن خلق الكون ونشأة.

القرأن الكريم تحدث عن كلمتي الرتق والفتق، فالرتق معناه الاتصال بين السماوات والأرض وكأنهما وحدة واحدة، ثم حدث فصل الوحدتين عن بعضهما البعض الآخر في الفتق.

بحيث تحافظ كل منهما على مكوناتها بشكل منضبط لا خلل فيه، وبالتالي كان لفظ الفتق هو الأكثر واقعية وله مدلول علمي واقعي، لا لفظ الانفجار العظيم الذي تحدث عنه العلماء.

ولكن الإشكالية التي ظهرت بعد الحديث عن أن الغاز الكوني متمثل في ذرة الهيدروجين، ما يؤكد أن الكون خلق من ذرة الهيدروجين.

ولم يصل العلماء، إلى الحل لها ولا معرفة مصدرها حتى هذه اللحظة، ولكن كانت الإجابة الواضحة في القرآن الكريم، من أن هذه الذرة التي خلق منها الكون، أتت من جزئ من الماء الموجود تحت عرش الرحمن في الدائرة الأولى.

مصداقًا لقوله تعالى: “وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۗ وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ” (هود/ 7).

وكان لخلق ونشأة ذرة الهيدروجين من تحت عرش الرحمن، الذي لا نعرف عنه شيء، سوي أنه مخلوق من نور، لأن الله سبحانه وتعالى نور، فحمل الماء الذي خلقه الله سبحانه وتعالى قبل خلق العرش، لمسة نورانية من نورالله سبحانه وتعالى المكنونة في عرشه.

وبالتالي فإن الماء الذي انتقل إليه النور من عرش الرحمن، جعل من هذا الماء هذا المخلوق النوراني الممتلئ بالنور .

وبالتالي كان مصدر لجزئ الماء الذي يتكون من ذرتين من الهيدروجين وذرة من الأوكسوجين، ما يدل على أن مصدر ذرة الهيدروجين، التي خلق منها الكون نوراني.

ومعنىي هذا أن مصدر ذرة الهيدروجين النورانية قادم من الدائرة الأولى، من جزئ من الماء الموجود تحت عرش الرحمن، والذي يتكون بالتأكيد من صفات خاصة تميز كل من ذرتي الهيدروجين وذرة الأكسجين.

وبالتالي فذرة الهيدروجين التي خلق منها الكون، لها طبيعة نورانية، ومن هذا المنطلق فهي تتصرف بناء على القوة الكامنة فيها، والتي أخذتها وأمتلكتها وتميزت بها عن غيرها من الذرات، من الماء الموجود تحت عرش الله سبحانه وتعالى لتكون سندًا لعرشه .

وفي الوقت نفسه تسربت إليها هذه القوة القاهرة، الموجودة تحت عرش الرحمن، وبالتالي فهي خارجة عن إطار الوصف المادي لذرة الهيدروجين بمشتقاتها الغازية والسائلة والصلبة، والموجودة على الأرض.

والتي يمكن أن ينطبق عليها وصف الجنة في الشبه والتمثيل، لأنها غيب عنا مثل الجنة، على غرار الوصف الموصوفة به الجنة في الحديث الشريف، والتي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

ومن هنا فإن ذرة الهيدروحين التي خلق منها الكون بسمواته السبع وأرضيه السبع، وأكوان أخرى لا نعرف عنها شيئًا ليست على غرار ذرة الهيدروجين الموجودة في الماء الذي نشربه على الأرض، إلا على سبيل الشبه والتمثيل.

حتى يتمكن البشر من استيعاب طبيعتها، وحقيقتها المختلفة تمامًا، في الطاقة الذاتية التي تملكها، وفي القوة الهائلة التي أحدثتها، والتي كان من نتيجتها خلق الكون الذي لا نعرف عنه سوي السماء الدنيا بشكل محدود للغاية يقترب من درجة العدم.

وامتلاك ذرة الهيدروجين، لكل هذه المقومات الغيبية، وكل هذه القوة الهائلة والقدرة الفائقة، وكل هذه الطاقة العظيمة منذ الانفجار العظيم الأول، والذي على أثره تكون الكون الذي نعيش فيه بأرضه وسمواته، والتي نسجت من خيوطها على أثره، كونًا عظيمًا وممتدًا تبلغ مساحة سماءه الدنيا، أكثر من ثلثمائة ألف سنة ضوئية وعمره حوالي خمسة عشر مليار سنة تقريبا.

بل إنَّ السر في وجود الكون والحفاظ على شبابه وحيوية مكوناته ونشاطه تنبع بالدرجة الأولى من وجود آلية ذاتية مبرمجة وممنهجة داخل ذرة الهيدروجين النورانية.

هدفها القيام بعملية الإصلاح والتقويم والصيانة الدائمة الذاتية، لكل مكونات الكون من دروب وكواكب ونجوم وبقع سوداء وغيرها الكثير.

ما يؤكد قوة هذه الذرة الذاتية، والتي يقف وراء خلقها ونشئتها وانفجارها لتكون هذا الكون الرائع العظيم والجميل، والتي تتمثل قدرة الله سبحانه وتعالى.

وهذا فيه إعجاز مبهر يعني الكثير والكثير، لأصحاب العقول الرشيدة، والقلوب الحليمة، والفكر الواعي المستقيم، والعلم الراسخ المستديم، والهدي الواضح، والبيان الباليغ.

في أن عظمة الله سبحانه وتعالى القوي المتين وقوته الخارقة، هي التي تقف خلف هذا العمل الجبار والمنظم والمخلوق من ذرة واحدة من الهيدروجين، بشكل يجعل الإنسان مذهولًا أمام هذه القوة الخارقة للعادة، والتي تبهر كل صاحب عقل ولب سليم.

مصداقًا لقوله تعالى: “أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ” (المؤمنون/ 115).

وعلى مستوي خلق البشر وسائر المخلوقات الأخرى من الحيوانات ومختلف النباتات والجمادات، فإن الذرة تعيش في كيان كل هذه المخلوقات، بمكوناتها التي تعبرعن طبيعتها، ووظيفتها في كل مستويات وجودها، داخل الجزيء الواحد والخلية الواحدة، والمادة الواحدة.

ثم تتعانق هذه الذرات وتتواصل مع بعضها البعض الآخر، فكل ذرة قائمة بذاتها، لها كيان يعبر عنها، ولها الحق الأصيل في التواصل مع الذرات الأخرى بمكانها ومكينها في الظاهر والباطن وفي المبني والمعني، وكأنها كون قائم بذاته، له مسيرة حياة وله بداية وله نهاية .

وتخوض كل ذرة، في مكانها، من أجل البداية والنهاية، وفي مسيرة حياتها، ملحمة عظمى ومعارك كبرى، والتي تمثل في الحياة الأبدية الضارية في أعماق الزمن بهمة واقتدار.

من أجل الحفاظ على كيانها ووجودها، في المعنى العام للحياة، وفي المعنى الخاص للذرة ككيان قائم بذاته.

وإذا شئت القول فقل ككون، له مداخله ومخارجه ومكنوناته وأسراره، في المبني والمعني المجهول عنا نحن البشر .

وداخل كيان الخلية الواحدة، في سائر المخلوقات، تعيش مجموعة من الذرات، قدرت بمائة ترليون ذرة، داخل الخلية الواحدة.

ومع جموع الخلايا بهذه التؤرليونات من الذرات، تتكون الأنسجة، ومنها تتكون الأعضاء والأجهزة، التي تكون جسم سائر الكائنات الحية .

وكأننا جميعًا مجموعة، من المخلوقات، تعيش فيها الذرات المتناثرة في كيانها، فتعشق بعضها البعض الآخر، وتتعلق فيها كل ذرة بالذرة الأخرى، في دورة حياة أبدية.

لها بداية ومسيرة حياة ونهاية، وتتعارف الذرات على بعضها، في خلقها ونشئتها، وفي طبيعة عملها ووظيفتها، فتتكون في داخل كيان الإنسان وغيره من الكائنات الأخري من الألف إلى الياء .

وإذا كان كل خلية بها مائة ترليون ذرة، فإن كل ذرة واحدة من هذه الذرات داخل الخلية الواحدة، يمكن أن تكون كون قائم بذاته.

وكأن الخلية الواحدة تحتوي على مائة ترليون كون، حيث وجدت الذرات وعاشت وتعايشت مع الحياة بأسباب الله سبحانه وتعالى.

مصداقا لقوله تعالي: “وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ” (الأعراف/ 172).

ومن هنا نجد أن البداية قبل الخلق، كان الله ولا شيء معه، وفي النهاية بعد الخلق في الآخرة، سيكون الله سبحانه وتعالى ومعه الإنسان بذراته الذي يعيش بها في نور الله.

وما بين البداية والنهاية كانت الحياة الدنيا، التي خلق فيها الكون وخلق فيها الإنسان وسائر المخلوقات من ذرة في هذه الحياة، والتي تعيش في الدنيا بأسباب الله سبحانه وتعالى .

وفي النهاية ستكون ذرة، يعاد بنائها وتشكيلها من جديد في شكل جديد وقالب ومحتوي جديد له طبيعته الخاصة.

يتواكب مع النور الإلهي الذي يعم المخلوقات جميعًا في الآخرة، فتعيش بنور الله وفي نور الله سبحانه وتعالى، بعد اختفاء الأسباب، دون حدود للزمان والمكان والعلم والميراث الذين يتركهم الإنسان في الحياة.

وهذا فيه إعجاز عظيم يبرز لنا حقيقة ومكانة الذرة في خلق الكون والإنسان، فهي تكون الكيان الحقيقي الأولى، الذي خلق منه الكون الإنسان.

وهي في نفس الوقت الدافع الحقيقي وراء خلق ووجود الحياة، والتي كانت ولا زالت وستظل المحرك الحقيقي لوجود الحياة واستمرار الكون والإنسان وسائر المخلوقات، في الحياة.

وستكون الشاهد الوحيد على قطار الحياة من بدايته وفي حياته وحتي نهايته، والوصول به إلى الحياة الأخرة في ذرة مسئولة عن كيان الإنسان، أمام الله سبحانه وتعالى.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق