مقالات

(18) قيم… رمضانية

لنا أن نتساءل “كيف تقبل الروح النورانية في أن تعيش في الجسد الترابي؟” ومعه تنتقل النفس البشرية بروحها وجسدها من شدة ومعاناة داخل الرحم في 6- 9 أشهر إلى شدة ومعاناة أخرى خارجه، فيعيش بين 60- 90 سنة في المتوسط، مما يعني أن الشهر الواحد معاناة داخل الرحم يساوي عشر سنوات معاناة خارجه.

بل إن مرور الإنسان بمراحله العمرية المختلفة من طفل رضيع عند سنتين إلى طفل عند  سبع سنوات ثم صبي عند عشر سنوات ثم فتى عند اثنى عشر سنة ثم مراهق عند أربعة عشر عام ثم بالغ عند سبعة عشر عام ثم شاب عند عشرون عام ثم رجل من 20-40 عام ثم كهل من 40- 60 عام ثم شيخ من 60- 80 عام ثم أرذل العمر أكثر من 80 عام.

فهذه الرحلة الطويلة التي يقطعها الإنسان في الحياة، تبدأ بنضوجه مع معاناته عند العشرين عام، فإذا مات عند هذه السن لم يدرك معنى الحياة ولم يفهم أو يفقه سبب بقائه فيها، لأنه بمجرد اكتمال تكوينه العقلي والجسماني واستقرار نفسه ترك الحياة فكأنه لم يأتي إليها ولم يعرف عنها شيء.

أمَّا إذا استمر في الحياة فإن مرحلة الرجولة هي التي تُمثل الفترة الذهبية من عمره في الحياة، ففيها الصحة والحيوية والقوة والشباب ومع ذلك فهي مليئة عن آخرها بالألم والمعاناة فهو يحتاج إلى إنهاء دراسته وينتظر الوظيفة وفي حاجة إلى منزل يأويه وزوجة تسهل عليه أمور حياته وبعض من المال يجمعه من حلال أو حرام .

ومع بداية سن الأربعين يكون الاستقرار الأسري فتبرز الحكمة من فيه ولكن في نفس الوقت تبدأ معاناة أخرى في الكهولة فيفقد الصحة والقوة بالتدريج وتتكاثر عليه الأمراض فينفق كل ما جمعه من مال على صحته وعندما يصل إلى الستين تزداد الأمراض وتتنوع وقد يفقد حياته في منتصف الطريق أمَّا إذا وصل إلى سن الثمانين فيطلب الموت ولكن الموت يهرب منه ويتركه في حيرة من أمره بعد أن تخلى عنه الجميع.

ومع تقلب أوضاع الإنسان في الحياة بين الزمان والمكان لا يعرف من طبيعتها إلا قليل القليل ولا يستطيع أن يعطي جواب بنفسه عن الروح التي تحركه في كل مكان ولا يستطيع الجواب عن حاله في يقظته أو منامه فكل شيء مبهم ومغطى بطبقات سميكة من الأسرار .

وإذا حدثته عن عالم الذر وكيف جمع الله ذرية آدم فأشهدهم على أنفسهم بوحدانيته وألوهيته فشهدوا جميعًا فلا تسأل عن عالم الذر ولكن اسأل عن عالم المشهود والذي يقول أنك لو وضعت الحامض النووي لكل إنسان في فنجان من القهوة، فإن مائة مليار شخص تملأ فقط ربع هذا الفنجان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وهذه القيمة الرمضانية العظيمة الثامنة عشرة والتي يجب علينا أن نتعلمها من منهج القرآن الكريم ومنهج النبوة وأفصح لنا فيها رمضان في الدائرة الثانية، بأن أصل الإنسان المادي جماد معتم من تراب وأصله الروحاني من نور، فكيف يعيش النوراني مع الجمادي ويكون نفس ويمر بكل هذه المراحل المختلفة في حفظ من الله وأمنه إلا إذا كان أصلهما واحد.

الدكتور عبدالخالق حسن يونس، أستاذ الجلدية والتناسلية والذكورة بكلية الطب بجامعة الأزهر

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق