مقالات

(37) إشراقات… رمضانية

هذه الخلايا المسئولة عن التجسس داخل جسم الإنسان على مستوى خلاياه، لا تكتفي بهذا التسجيل الممنهج لتصرفات وأفعال وأعمال الإنسان والممهورة بخاتم السر الإلهي الذي يعلم ذات الصدور قبل خلقها والذي سيرفع عنه الغطاء بمجرد تخلي أعضاء وأجهزة الإنسان عنه، لتشهد على كل تصرفاته الإيجابية والسلبية وأفعاله الغريبة والمريبة في الآخرة في مهرجان بشري ليس له مثيل، يتعرى فيه الإنسان أمام ربه وأمام خلق الله سبحانه وتعالى من كل الستائر، التي حاول أن يستر بها عورته أمام الناس في الدنيا في مشهد مهيب فأول ما يشهد على الإنسان خلاياه وأنسجته وأعضاءه وأجهزته.

وإنَّما الأخطر من كل ذلك، أن كل خطوة يخطوها الإنسان في الحياة منذ بلوغه وحتى وفاته، مسجلة عليه ومعها شهود من كل جسده وروحه وكل مكونات الأرض والسماء، التي يحيى بها الإنسان وعليها من الهواء والماء والطعام والتراب.

ومعها آثار خطواته في الأرض ومسار كلماته في جنبات الكون وما فيه من حيوانات وطيور وحشرات ونباتات وجمادات، فالكل حاضر وشاهد ويسجل بطريقته الخاصة كل المواقف التي يقفها هذا الإنسان السيد المختار أمام عبيده المسيرين من أجل خدمته من سائر الكائنات.

وحتى كل وسائل إدراكه فنظراته من عينيه وسمعه من أذنيه وشمه من أنفيه وتذوقه من لسانه ولمسه من يديه وألاعيبه وخداعه واحتياله الظاهرة والباطنة من جسده، لا تغيب لحظة عن المراقبة والتسجيل الدائم وعلى مدار حياته.

حتى إذا انتهت حياته أغلق كتابه وتوقفت خلاياه عن التسجيل والمراقبة وذهبت معه ملفاته إلى قبره، لتشهد عليه رغم عن أنفه في قبره وفي برزخه وفي يوم طويل لا ينفع فيه سلطان ولا جاه ولا منصب ولا مال ولا زوجة ولا أولاد ولا أهل ولا أصحاب ولا أصدقاء ولا عزوة.

وهذا فيه إعجاز هائل، لأن خلايا الإنسان شاهدة عليه بتسجيلاتها المختومة وناطقة عليه بلسانها الطويل إلى الحد الذي يتمنى فيها الإنسان أن يذوب في التراب، فيصبح تراب ولا يعود مرة أخرى للوقف أمام الله سبحانه وتعالى مطأطأ الرأس، شاخص البصر عليه رحمة من الله أو غضب من الجبار.

الدكتور عبدالخالق حسن يونس، أستاذ الجلدية والتناسلية والذكورة بكلية الطب بجامعة الأزهر

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق