مقالات

(56) إشراقات… رمضانية

وفي نفس الوقت عرفنا رمضان على خلق الحيوانات والطيور والحشرات والجمادات وأن فيها حياة تحركها في الظاهر أو الباطن ومع ذلك لم نعرف طبيعتها ولا كنهها وإنما تتحرك أمامنا في نطاق الأرض التي نعيش فيها وفي حيز محدود لا يكاد يذكر، فما هي طبيعة الروح التي تسكن الحيوان والطيور والحشرات والنباتات والجمادات؛ فإذا انتهت حياتها ماتت واختفت من الحياة، فإذا كنا لا نعرف طبيعة الحياة لكل هذه المخلوقات التي تعيش معنا في الحياة، فكيف لنا أن ندرك عظم ومكانة الروح إلا بواسطة رمضان.

وفي الخلق والدنيا كان لرمضان الحديث الأعم والأشمل، فتحدث عن كل شيء خلقه الله في الدنيا وتحدث عن أهمية خلق السماوات والأرض بهذا الشكل المتقن والمعجز ومع خلقهما كان الماء الذي جعل الله منه كل شيء حي ثم تحدث عن الغيب في خلق الملائكة والجن وعلاقتهما بوجود الإنسان وكل الكائنات الحية على سطح الأرض ومدى الأهمية القصوى في عمل الملائكة غير المرئي ووجود الجن المخلوق من نار.

وكان الحديث عن الإنسان وخلقه بهذا العمق والتقدير مرتبط برمضان ونزول القرآن الكريم خاصة في الحالات الاستثنائية التي تحدث الله عنها في خلقه لآدم من تراب وخلق حواء من  آدم دون أم وخلق عيسى من أم بلا أب وخلق البشر جميعًا من أب وأم.

وتحدث بشكل مرتب ومعجز ومنقطع النظير عن خلق الإنسان من نطفة ثم علقة ثم مضغة مخلقة وغير مخلقة ثم خلق العظام بعدها كسى العظام لحمًا ثم جعله خلق آخر وبشرًا سويًّا يمر في كل هذه المراحل المتتابعة في بطن أمه حيث ينتقل من مرحلة إلى أخرى بشكل مقدر ومعتبر في التوقيت الزماني والمساحة المكانية التي يشغلها في الرحم بدقة متناهية لا يقدر عليها إلا الله.

ومن خلال الانتقال من مرحلة إلى أخرى في الرحم كانت عناية الله ترعاه وتحميه من كل المخاطر، التي يتعرض لها في بداية خلقه وتكوينه من خلية واحدة والتي تكون على إثرها مائتين وخمسين خلية مكونة الجنين في انقسام منضبط لا يقدر عليه إلا الخالق سبحانه وتعالى.

وهذا فيه إعجاز هائل، فالخلايا تكون الأنسجة والأعضاء والأجهزة مكونة جسمًا كاملًا بعد دخول الروح فيه، من أول لقاء بين الحيوان المنوي والبويضة ليكون خلية بشرية واحدة فيمتلئ بالحياة والتعلق بها كي يحافظ على نوعه وعلى بقائه في مسيرة الحياة من أجل عمارة الكون وإدراك عظمة الخالق سبحانه وتعالى الذي منَّ عليه بكل هذه الفضائل وكل هذه النعم.

الدكتور عبدالخالق حسن يونس، أستاذ الجلدية والتناسلية والذكورة بكلية الطب بجامعة الأزهر

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق