مقالات

(30) خلق آدم من تراب… معجزة إلهية

يبدو والله أعلم، أن مراحل خلق السماوات والأرض في ستة أيام ما زالت ماضية، منذ نشأة الكون حتى القرن الحادي والعشرين، لأن الكون بكل مكوناته يتجدد بشكل دائم ومستمر، كما يبدو أن الساعة البيولوجية للكون والحياة في كل مكوناته المختلفة، داخل الجسيمات الأولية للذرات والذرات والجزيئات والمواد المختلفة، التي يتكون منها الكون عبر النجوم والكواكب والمجرات، سوف تنتهي بنهاية اليوم السادس، بعدها ينهار الكون وتبدأ أحداث يوم القيامة.

وإذا كان المقصود باليوم، هو من طلوع الشمس إلى غروبها، فإن بداية خلق الكون ونشأته لم يكن هناك شمس حتى يمكن تحديد اليوم الذي خلق فيه الكون بيوم من أيامنا ولكن اليوم المقصود في خلق الكون مطلق الوقت في مرحلة زمنية تقديرية غير محددة، بعدها تحدث عن خلق الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار، بعد استقرار حال الكون، قال تعالى: “إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ” (الأعراف: 54).

قدرة الخالق على خلق الكون

فكيف يمكن أن يتصور الإنسان العاقل، أن يكون هناك قيمة زمنية لذكر اليوم عند الله في بداية خلق الكون والذي تكمن قيمته عند البشر فقط وقدرتهم على استيعاب قدرة الخالق على خلق الكون، فضرب المثل باليوم الذي يفهمه الناس ومدى احتياج الخلق إليه وإنعاش ذاكرتهم وتذكيرهم بعالم الذر، الذي شهدوا فيه بوحدانية الله وربط بينها والشفاعة خاصة بالإنسان في الآخرة فلا يشفع أحد من رسول ولا نبي ولا إنسان إلا بإذنه سبحانه وكأنه يقول للبشر “أفلا تتذكرون العهد والميثاق الأول”.

قال تعالى: “اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ” (السجدة: 4).

فهو يوم مفتوح له بداية وله نهاية وقيمة هذا اليوم ومقداره، يعتمد على عظمة الخالق سبحانه وتعالى، فلا مكان للتحدث عن اليوم في حياة البشر، باليوم عند الله سبحانه وتعالى عن نفسه، ثم يذكر البشر بعالم الذرة مرة أخرى لأنه حجة عليهم، قال تعالى: “إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ” (يونس: 3).

وربط الله بين خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وبين عرشه على الماء وعلاقته بالتأكيد على قضية البعث بعد الموت وأنكار الكفار ذلك، قال تعالى: “وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۗ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ” (هود: 7).

ثم ربط بين خلق السماوات والأرض في ستة أيام واستوائه على العرش بالقدرة والعلم والخبرة له سبحانه، قال تعالى: “الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ الرَّحْمَٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا” (الفرقان: 59).

مراحل خلق السماوات والأرض

ثم ربط بين خلق السماوات والأرض في ستة أيام واستوائه على العرش مع دورة نزول الماء من السماء وخروج النبات من الأرض، مع تأكيد المراقبة الدقيقة لكل أفعال الإنسان، قال تعالى: “هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ” (الحديد: 4).

ثم أكد أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام بلا تعب ولا مشقة ولا مجهود، قال تعالى: “وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ” (ق: 38).

وهذا فيه إعجاز هائل وعظيم، لأن أحداث الكون وما فيه كلها مؤقتة في الزمان والمكان، إلى أجل مسمى، فإذا كان الإنسان مؤقت، فإن سلالة بني آدم تنهار وتفنى تباعًا من الوجود من خلق آدم إلى قيام الساعة ومعه كل الحيوانات والطيور والحشرات والنباتات والجمادات والكائنات الدقيقة المؤقتة وما يحدث للإنسان، سوف يحدث للسموات والأرض المؤقتة، والتي تحمل عوامل فنائها في داخلها بشكل مؤقت إلى أن تحين ساعة الانهيار والفناء.

الدكتور عبدالخالق حسن يونس، أستاذ الجلدية والتناسلية والذكورة بكلية الطب بجامعة الأزهر

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق