مقالات

(33) خلق آدم من تراب… معجزة إلهية 

إذا كان الحديث عن اليوم في الكون يختلف من منطقة كونية عن منطقة كونية أخرى، فما بالنا بالحديث عن اليوم عند العرش، واليوم عند استواء الرحمن على العرش، واليوم ومكانة العرش عند الله، والتي لا يعرفها إلا الله سبحانه وتعالى والتي ربط فيها الحق سبحانه بين خلق السموات والأرض والاستواء على العرش.

قال تعالى: “إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ” (الأعراف: 54).

فإن الحديث عن العرش معناه استواء الملك لله ولا أحد سواه وربط العرش بأحداث الدنيا، دليل على وجود علاقة تربط بينه وخلق الكون، فالله يغشي الليل النهار فيغطي الليل على النهار، ويغطي النهار على الليل ولكن الحقيقة أن اليوم يمثله الليل والنهار في نفس الوقت والموجودان على سطح الأرض التي نصفها ليل ونصفها نهار بالتبادل.

فيجعله كالغشاء، فالنهار للمعيشة والحركة والكسب والعيش والليل للسكن والراحة والهدوء، فيذهب ضوء النهار بالغشاء بمجيء غشاء الليل، فيطلب الليل حضور النهار ويطلب النهار حضور الليل فهما وجهان لعملة واحدة في الدنيا، أحدهما ليل والآخر نهار، يطلبه طلبًا حثيثًا وسريعًا ومستعجلًا عليه بشكل منضبط ومتقن، فله الخلق وله الأمر إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون.

وإذا كان الاستواء على العرش في اللغة العربية، معناها العلو والاستقرار والهيمنة، فإن علو الله تعالى وارتفاعه على العرش معناه علو ملكه وملكوته ومجده وسلطانه وصفاته، فلا أحد فوقه، ولا أحد معه فله العلو المطلق الذي يليق بذاته سبحانه وهو يربط مجددًا بين خلق السماوات والأرض في ستة أيام والاستواء على العرش.

قال تعالى: “اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ” (السجدة: 4).

ثم ذكر الناس بربوبيته، والتي خلقهم بها من عدم وأمدهم بها وربطها بخلق السماوات والأرض في ستة أيام والاستواء على العرش.

قال تعالى: “إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ” (يونس: 3).

ثم تحدث عن خلق السماوات والأرض في ستة أيام وبين عرشه على الماء، قال تعالى: “وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۗ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ”  (هود: 7).

وربط بين خلق السموات والأرض في ستة أيام واستوائه على العرش، قال تعالى: “الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ الرَّحْمَٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا” (الفرقان: 59).

ثم أكد هذا الربط بين خلق السماوات والأرض في ستة أيام واستوائه على العرش وحياة البشر، قال تعالى: “هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ في الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ” (الحديد: 4).

ويبدو أنَّ قوام الحياة في الدنيا ووجودها، مرهون بالربط بين خلق السماوات والأرض في ستة أيام والاستواء على العرش، ووجود علاقة بين اليوم الذي خلق فيه العرش، واليوم الذي استوى فيه الله على العرش واليوم الذي خلقت فيه السماوات والأرض.

وهذا فيه إعجاز هائل وعظيم، فكما أن اليوم عند خلق الكون، مختلف عن اليوم في أحداث الكون المنظور والأكوان غير المنظورة والملأ الأعلى، فإنه يختلف عن اليوم الذي خلق فيه العرش، واليوم الذي استوي فيه الرحمن على العرش، إذا أخذنا في الاعتبار أن كل مخلوق له يوم على قدر وعظم خلقه، فما بالنا باليوم عند الخالق سبحانه تعالى.

الدكتور عبدالخالق حسن يونس، أستاذ الجلدية والتناسلية والذكورة بكلية الطب بجامعة الأزهر

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق