مقالات

(55) مصر… في الحج

كان الذبيح إسماعيل الابن البكر لإبراهيم، وكان يحبه حبًا جمًا ويحب وجوده معه، وفعل إبراهيم مع ابنه الوحيد، يتوافق مع طبيعته البشرية التي تحب أن يكون لها ولد، خاصة أن الإجابه جاءت متأخرة وفي نهاية عمره فكان حبه لإسماعيل مضاعف على حب أي شيء آخر في حياته، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يلفت نظر إبراهيم عليه السلام، في أن الحب لا يكون إلا لله، ولا يجب أن ينازع الإنسان حب آخر في قلبه غير حبه لله.

فكان الأمر بالذبح حتى يكون إبراهيم نموذج صافي وخالص في حبه لله، ولا يجب أن يحب  أحد سواه، حتى ولو كان ابنه الوحيد إسماعيل، وعليه يقتدي البشر من اتباعه لسنته، وبعد أن عاد إبراهيم إلى حب الله الخالص، قبل أن ينجب إسماعيل، نجا الله إسماعيل وفداه بذبح عظيم حتى يكون درسًا للبشرية جمعاء ومن هنا كان أهمية التضحية والفداء في حياة البشر.

وكان هذا الامتحان الشاق والقاسي والصعب على إبراهيم وهاجر وإسماعيل عليهم السلام،  والذي خيروا فيه بين الحب لله والحب للولد، وهل يستوي الحب للولد وهو في ريعان شبابه مثل إسماعيل عليه السلام وعمرة 13 سنة وأبيه إبراهيم وعمره 86 سنة، مع حب الله أم أن الحب لله أكبر من كل شيء، فكان حب الله عند إبراهيم أكبر من حبه لابنه الوحيد وهكذا كان معنى التضحية والفداء في الإسلام.

ظهور جبريل لإنقاذ هاجر عليها السلام

ظهر جبريل عليه السلام للمرة الثانية، فانضم إلى الثلاثي المؤمن، إبراهيم وهاجر وإسماعيل عليهم السلام، فعطل وظيفة السكين وآلة الذبح في ذبح إسماعيل بأمر الله سبحانه، ثم رفع إسماعيل عليه السلام، وأتى بكبش كبير من الجنة أضجعه موضعه، ونجى إسماعيل من الذبح.

كان الفداء عظيم، لأنه اجتمع فيه كل أسباب العظمة، فكان وجود جبريل عليه السلام، وإحضاره كبش من الجنة في وجود إبراهيم أبو الأنبياء وإسماعيل جد سيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، وهاجر عليها السلام زوج إبراهيم وأم إسماعيل في رعاية الله سبحانه وتعالى، جعل هذا الذبح عظيم، لما له من مكانة ومنزلة عند الله العظيم والذي يؤكد للجميع، أن حب الله يتقدم على حب الآباء والأبناء والمال والدنيا وما فيها، حتى لو كان الابن إسماعيل في عمر الزهور، وعمر إبراهيم في نهاية حياته ومدى حاجة الأب إلى ابنه في هذا العمر، لكن حب الله هو الباقي وغيره هو الفاني وذاهب إلى التراب.

قال تعالى: “وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ” (الصافات: 107).

لم يكن الشيطان بعيدًا عن هذا الموقف المهيب، فقد حاول مرارًا وتكررًا، ثني إبراهيم عن ذبح إسماعيل، وحرض كل من إسماعيل وهاجر على إبراهيم، ولكن بائت كل محاولاته بالفشل الذريع، وها هو إبراهيم يمتثل لأمر الله ويهم بذبح ابنه تنفيذًا لهذا الأمر، فأطاع أمر الله ولم يعصاه كما فعل الشيطان.

أصيب الشيطان بلوثة في عقله وأصابه الجنون، فالبرغم من عدم وقوفه موقف المتفرج على ما يحدث أمامه، فثار عليه ثورة عارمة، لعل وعسى ينجح في إثناء إبراهيم عن ذبح إسماعيل، إلا أن عزم إبراهيم وعزيمة إسماعيل، كانا لهما الفضل الكبير في تحجيم الشيطان، وهذا فصل من الفصول القليلة التي يخيب فيها مسعى الشيطان مع الإنسان، في وجود قوة وصلابة الإيمان.

التزام إبراهيم بأوامر الرحمن

فكان التزام واحد من أحفاد آدم عليه السلام في شخص إبراهيم، بأوامر الرحمن وتنفيذها حتى ولو كان ذبح ابنه الوحيد والذي أنجبه بعد طول انتظار، على عكس ما فعله الشيطان الذي رفض السجود الذي لا يكلفه شيء ولكنه رفض فطرد من رحمة الله.

وكلا الموقفين يؤكدان التزام إبراهيم بتنفيذ أمر الله ومحاولات الشيطان منعه من تنفيذ هذا الأمر، حتى لو رجمه إبراهيم وهاجر وإسماعيل بحصى هي في الحقيقة والواقع جمرات من نار في صورة حصوات، حتى تردع الشيطان وتمنع وسوسته، وهم في الطريق إلى منى لتنفيذ أمر الله.

وهذا فيه إعجاز هائل وعظيم، أن يفدي إسماعيل بكبش من الجنة في وجود جبريل وإبراهيم وهاجر وإسماعيل عليهم السلام في معية الله سبحانه وتعالى وهروب الشيطان، فكان الذبح عظيم، لأنه لن يتكرر على مدار الزمان مرة أخرى.

الدكتور عبدالخالق حسن يونس، أستاذ الجلدية والتناسلية والذكورة بكلية الطب بجامعة الأزهر

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق