مقالات

(57) مصر… في الحج

نجح الثلاثي الإيماني المخلص في الاختبار الثاني، كما نجح في الاختبار الأول، وكان الانتصار على الشيطان محور الاختبار، وكانت الجمرات وما تحمله من طاقة نيرانية هائلة محبوسة في ذراتها ومخزنة في جزيئياتها وموادها الأولية هي شعلة النار التي تطارد الشيطان في الحج وتحصن المسلم من ألاعيبه في سائر الأيام.

ولكن لماذا كان التضحية والفداء لإسماعيل بكبش من الجنة وليس كبش من الدنيا؟، لأن فيه معنى البقاء والاستمرار مع فناء الحياة، لأن البقاء هو الأصل في الجنة والفناء هو الاستثناء في الدنيا، فكل أنعام الدنيا مؤقتة وتمثل نموذج إلى أجل مسمى، فهي استثناء والأصل في الآخرة، قال تعالى: “وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا ۙ قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ۖ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ” (البقرة: 25).

الأصل في أعمال الحج

وكل هذا يؤكد أن الأصل في أعمال الحج ومناسكه هو البقاء والاستمرار في الآخرة مع فناء الأجساد التي قامت بالحج، مثلها مثل كل شيء مؤقت في الكون ومخلوق إلى أجل مسمى، ويمثل كون الدنيا إلى حين أن ينهار ويحل محله كون آخر بسمائه وأرضه، يمثل كون الآخرة، ومن ثمَّ فكل شيء في كون الدنيا مؤقت، لكن كون الآخرة هو الأصل وغيره الاستثناء.

قال تعالى: “يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ” (إبراهيم: 48).

كانت التضحية غالية وعظيمة ولها مكانة عند الله سبحانه وتعالى، لأن الأضحية كانت كبش من الجنة، والذي أمر به هو الله، إنقاذًا لإسماعيل ورحمة لإبراهيم وهاجر، لكن عندما يضحي الله سبحانه وتعالى، لا يكون إلا من الجنة ومن أصلها، لأن الله هو الذي أنقذ إسماعيل من الذبح، فكان على جبريل عليه السلام، أن يختار هذا الكبش من الجنة، حتى يؤكد إيمان إبراهيم وهاجر وإسماعيل، مقابل رضى الله عنهم فرضوا عنه، قال تعالى: “جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ” (البينة: 8).

كل هذه الاختبارات وتلك الامتحانات تعبير حي وتجسيد واقع على أرض الواقع، ويمثل قمة حب الله، لهذه الثلاثي المؤمن وفي نفس الوقت، كان هناك تجهيزهم من نوع آخر، لبناء أعظم بيت في أرض على يد هذا الثلاثي المؤمن، بيت الله الحرام الكعبة المشرفة، حتى تكون قبلة المسلمين إلى قيام الساعة ومحط أنظار العالم، وتكون بمثابة رمانة الميزان للكرة الأرضية بالمشاركة مع البيت المعمور، رمانة ميزان الملأ الأعلى.

وهذا فيه إعجاز هائل وعظيم، لأن الهدف من الذبح العظيم، كان التمهيد لإعادة بناء الكعبة المشرفة على قواعدها الأولى.

الدكتور عبدالخالق حسن يونس، أستاذ الجلدية والتناسلية والذكورة بكلية الطب بجامعة الأزهر

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق