مقالات

(3) مشروع الفسيلة… ودروس من الهجرة

لن تتقدَّم هذه الأمة ولن تنهض في كل مجالات الحياة إلَّا بالاعتماد على لغتها العربية الصحيحة، ولن تتبوأ مكانتها إلَّا بعقول أبنائها، ومرجعية حضارتها الإسلامية وليس بالاعتماد على مرجعية وعقول الآخرين، الذين تعلموا في جامعات بلدانهم، وشربوا من قيهم وأخلاقهم التي لا تتفق في الكثير من الأحيان مع قيم وأخلاق الإسلام.

كيف تحقَّق أمة نهضة وهي تنسلخ من لغتها عنوان حضارتها، المفترض فيها أنها حضارة على مقاسها، في كل أمورها الحياتية، ومعبرة عن ذاتها، ثم كيف تسلم مقدراتها الحضارية  لحضارات الآخرين، باسم العلم والمعرفة، وتقوم بتفصيل ثوب مهلل ليس على مقاسها، لا قيمة له ولا معنى من حضارات الآخرين، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، كما يفعل العرب والمسلمون مع حضارة الإسلام.

من يريد أن يتعلم، فلينظر إلى الصين، ومن قبلها النمور الآسيوية ومن قبلهما اليابان، التي ضربتها قنبلتين ذريتين، ومعها ألمانيا التي هزمت في الحرب العالمية الثانية، فهل تخلَّت أي من هذه الدول عن لغتها، التي بها علمها ومعرفتها ونهضتها وتقدمها؟ بالطبع لا، كما تخلي العرب والمسلمين عن ذاتهم في لغتهم ولغة كتاب ربهم، ثم يدعون التقدم والنهضة واستعادة الحضارة، من باطن إبليس اللعين.

أساس التقدم في جميع مجالات الحياة

إذًا اللغة هي الأساس المتين الذي تبنى عليه الحضارات، والتي تُساهم في تقدم الأمم والشعوب وكل الدول التي حافظت على لغتها وحمتها من التغريب تقدمت في شتى المجالات، فالإنجليز يتحدثون الإنجليزية والفرنسيين يتحدثون الفرنسية، والألمان يتحدثون الألمانية، بالرغم من وجود الاتحاد الأوربي، إلا أن كل دولة من دولة حافظت على لغتها، لأنها تعبر عن ذاتها ووجودها.

فهل حافظ العرب والمسلمون على اللغة العربية، التي أدارت دفة العلم والمعرفة في العالم على مدار ألف سنة أم تخلوا عنها، وتآمروا عليها، سواء بالتخلي عن اللغة العربية أو عدم الاهتمام بها أو جعلها لغة من الدرجة الثالثة، فجعلت من العرب كم مهمل، لا يمثلون شيء على مستوى العلم والبحث فيه، وجعلت من المسلمين ثوب مهلهل، لا قيمة لهم ولا وجود، لأن الذي يتنكر لذاته في لغته يتنكر لوجوده.

وبدلًا من أن يتقدم العرب والمسلمون الصفوف، في مجالات التقدم والتقنية، نسمع أن شركات عملاقة مثل أبل رأسمالها السوقي وصل إلى اثنين تريليون دولار، وتلاحقها ميكروسوفت وفيسبوك وغيرها، في سباق محموم من أجل الحصول على كل ما هو جديد، في مجالات العلم، ومعها المال الذي يسبقها.

فالذي يتنكر للغته، يتنكر لذاته وينفي وجوده، حتى لو كان يعيش ويتنفس ويأكل ويشرب، ويعيش عالة على الآخرين، لذلك فهم الغرب، أن الحفاظ على اللغة معناه الحفاظ على الحياة والكرامة، والذي يتنازل عن لغته أو يحط من شأنها تخلى عن الحياة ويعيش بلا كرامة.

الدكتور عبدالخالق حسن يونس، أستاذ الجلدية والتناسلية والذكورة بكلية الطب بجامعة الأزهر

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق