مقالات

(57) خلق آدم من تراب… معجزة إلهية

إذا كانت الكلمة الواحدة التي تخرج على لسان الإنسان وتعبر عن روحه وكيانه، في خلاياه وأنسجته وأعضائه وأجهزته، تساوي عشرة وأمامها اثنى عشر ألف صفر، من مكونات جسمه وكيانه في الروح والجسد في الحد الأدنى، وإذا كان اليوم هو كلمة، فما بالك بالكلمة الواحدة، واليوم الواحد عند الله سبحانه وتعالى.

لذلك لم يكن من الغريب أو العجيب، أن يكون جماع الأمر كله في الإنسان في قوة الكلمة، والتي تعتمد على ما يقوله اللسان، فهو محاسب على كل حرف وكل كلمة وكل جملة وكل عبارة وكل لقاء بالحق أو الباطل، ومسجل عليه بالصوت والصورة والفيديو في روحه وكيانه، وفي روح وكيان المستمعين له وفي روح وكيان الكون الذي يعيش فيه .

فلا شك ولا مراء في أن الإنسان عليه رقابة ذاتية من نفسه وداخلها، وعليه رقابة خارجية في كل ما يعيش فيه، ويحيط به ومن حوله، قال تعالى: “وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ” (الأنعام: 38).

حديث شريف عن خطورة اللسان

وفي الحديث عن خطورة اللسان وما يتكلم به الإنسان، أمر يثير الدهشة، فعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ – رضي الله عنه – قَالَ: قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَيُبَاعِدْنِي مِنْ النَّارِ، قَالَ: “لَقَدْ سَأَلْت عَنْ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ علىهِ: تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أَدُلُّك عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ تَلَا: ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ﴾ السجدة: 16، حَتَّى بَلَغَ ﴿ يَعْمَلُونَ ﴾ السجدة: 17، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُك بِرَأْسِ الْأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذُرْوَةِ سَنَامِهِ؟ قُلْت: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذُرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُك بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ فقُلْت: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ وَقَالَ: كُفَّ علىك هَذَا. قُلْت: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْك أُمُّك وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ -أَوْ قَالَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ- إلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟!”. رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه.

فهذا الحديث الجامع، جمع كل شيء في حياة الإنسان المسلم، في العقيدة والعبادة والمعاملة، ثم حمل اللسان المسئولية الكاملة عن ذلك كله، لأنه يُعبر بالكلمة، عن ذات الإنسان وشخصيته، فهو المتحدث الرسمي عنه، وهو الذي يحمل اسمه ورسمه ويعبر عن دخائله، وما يجول في نفسه وخاطره من أفكار، شاهدة عليه أو شاهدة له، إن كانت خير فخير، وإن كانت شرًا فشرًا .

حتى ولو حاول تجميل الكلمة أو تذويقها أو تغطيتها بالمكياج، واستخدم كل الأقنعة، كما يفعل المنافقون والأشرار، ولكنها سقطات يقع فيها الكذاب دون أن يدر أنه كذاب، خاصة إذا خاض في الكذب مرات عديدة أو أصبح كذاب على المشاع، وكما يقال إذا كنت كذوبًا فكن ذكورًا، وهذا من رابع المستحيلات.

لسان الإنسان يمثل بوق إعلامي

فإذا كان اللسان يمثل بوق إعلامي كبير وقوي وجبار، يعبر عن صاحبه بكل اللغات، ويستخدمه في التعبير عن دخائل نفسه والبحث عن السلطة، والجري وراء الشهرة، والسعي الحثيث وراء جمع المال، فإنَّه وفي نفس الوقت يمثل عنصر دمار، ومصدر خراب مستعجل لصاحبه، في الدنيا قبل الآخرة، إذا انتصر به للباطل ومنع به الحق، من أن يصل إلى أصحابه، فوجب عليه أن يكب أصحابه على وجوههم في النار، كما أكد محمد صلى الله عليه وسلم، في هذا الحديث الجامع.

وهذا فيه إعجاز هائل وعظيم، فاللسان سبب نجاح الإنسان أو سبب فشله ودماره في الدنيا والآخر، وصدق المثل القائل لسانك حصانك إن صنته صانك وإن هنته هانك، ولكن الأخطر من كل ذلك أنه سبب الخسران المبين في الآخرة.

الدكتور عبدالخالق حسن يونس، أستاذ الجلدية والتناسلية والذكورة بكلية الطب بجامعة الأزهر

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق