مقالات

(62) خلق آدم من تراب… معجزة إلهية

الكون مخلوق منظم ومرتب في شكله ورسمه وجوهره وأصله، مثله مثل الإنسان عنده لسان ووجه وذات ويملك روح ويملك جنان ويحس ويشعر ويتكلم ويملك كل وسائل الإدراك، التي يملكها البشر بأدق تفاصيلها، فكلاهما أصله واحد، ومتصلان مع بعضهما البعض الآخر، في الماضي والحاضر والمستقبل برباط من الإيمان الوثيق، مثل الحبل السري الذي يربط حياة الجنين برحم أمه.

فكان الإنسان ولا زال مخيرًا، وكان الكون ولا زال مسيرًا، ولكن نجح الكون في اختياره أن يكون مسيرًا، بينما رسب الإنسان في قراره أن يكون مخيرًا، والذي أقر به على نفسه، بعد استخدام عقله وفكره وبعد تقييم قدراته، ومقدرته على تحمل عبء الأمانة التي قبل حملها، فقبلها عن طيب خاطر غير مضطر في ذلك، ولكنه فشل في الوفاء بها وبتبعاتها، فنجح الكون فيما فشل الإنسان، وكان من المفروض أن ينجحا معًا، كما خلقا معًا من أجل مهمة واحدة، وهي الإيمان بوحدانية الله.

قال تعالى: “إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا” (الأحزاب: 72).

وفي الوقت الذي يُحافظ فيه الكون على حياته واستقراره، وعلى حياة الإنسان وبقائه فيه، يعربد الإنسان في الكون ويسعى بكل ما يملك من جهد إلى فنائه، ويرتكب كل المخالفات التي نهاه الله عنها، ويعيث في الأرض فسادًا، ويدير كل الجرائم ويسوقها، ويفعل كل الموبقات ويصر عليها، ويدعو إلى كل الانحرافات ويأتيها، ولا يعبأ بعرف ولا قانون ولا دين، ولا يهتم بنتائجها عليه وعلى الكون من حوله.

فشل الإنسان في حمل الأمانة

مع أنه حمل الأمانة وتعهد أمام كل المخلوقات بعدم خيانته لها، وأخذ إقرارًا على نفسه بذلك، ومع ذلك لم يعبأ بعمله وقراره، فمضى في طريق الانحراف إلى آخره المعروف نهايته بالعذاب والدمار والهلاك، وما الأوبئة التي تطارده عنه ببعيد، ولا غضب الطبيعة عليه، في الأعاصير والبراكين وغيرها الكثير، وما زال يعربد في الكون بسذاجة منقطعة النظير.

فلم يعتبر بمن سبقه من المطرودين من رحمة الله ومن الملعونين في كل كتاب، وفي كل وقت وحين، كما فعل مع السابقين من قوم نوح وعاد وثمود وفرعون وغيرهم الكثير، ويبدو أن صفة الانحراف لازمة وملازمة للإنسان ومتأصلة في خلقه وتكوينه، منذ وطأة قدمه الأرض من خلقه وحتى مماته، بالرغم من كل الآيات الموجودة في الكون، التي تؤكد عظمة الخالق، وتؤكد قرب عجزه وقرب فناءه، في سلسلة متصلة الحلقات من الرحم إلى القبر، قال تعالى: “فَمَا بَكَتْ عليهمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ” (الدخان: 29).

وهذا فيه إعجاز هائل وعظيم، يؤكد أن السماء تبكي والأرض تبكي، مثلها مثل الإنسان، ولا يكون ذلك إلا إذا كان لكل منهما قلب وعقل وفؤاد في مادية تكوينه، وكل منهما له روح تملأ كيانه وتحس وتشعر وتضحك وتبكي.

الدكتور عبدالخالق حسن يونس، أستاذ الجلدية والتناسلية والذكورة بكلية الطب بجامعة الأزهر

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق