مقالات

(64) خلق آدم من تراب… معجزة إلهية

الكلمة تعبير أصيل عن العمل الصالح، ونصرة الحق على الباطل، لذلك كان أثر الكلمة عظيم، لأنها تعتني بالدرجة الأولى، بالحفاظ على مصالح الناس في الدنيا من منطلق الأمانة، والمرتبطة برباط وثيق بمصالح الناس في الآخرة، لذلك لا بديل عن الثواب والعقاب على الكلمة وأثرها في نفوس البشر.

كما أن الكلمة تعبير واقعي عن العمل الطالح، في أكل أموال الناس بالباطل، وقيادة الباطل للحق مما يدفع بالظلم إلى عنان السماء، ساعتها سيدفع الظلم الناس إلى طلب الحق، وسيدفع الناس الباطل إلى طلب العدل والبحث عنه، وكأن الظلم والباطل جنديان مخلصان من جنود الحق والعدل، وبهما يستردون عافيتهم بالحق والعدل بعد تغييب الظلم ودفع الباطل، فيذوب ويختفي، لأن الباطل كان زهوقًا، قال تعالى: “وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ  إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا” (الإسراء: 81).

ومن البديهية أن مسار الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة وخط سيرهما، ماضٍ في الكون إلى يوم القيامة، حتى بعد غياب صاحبيهما وتركهما للحياة الدنيا، فعن أبي عَبْدِالرَّحمنِ بِلال بنِ الحارثِ المُزني، أنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قالَ: “إنَّ الرَّجُلَ ليَتَكَلَّمُ بالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى مَا كَانَ يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بلَغَتْ يكْتُبُ اللَّه لَهُ بهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يلْقَاهُ، وَإنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمةِ مِنْ سَخَطِ اللَّه مَا كَانَ يظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بلَغَتْ يكْتُبُ اللَّه لَهُ بهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يلْقَاهُ” رواه الترمذي.

الكلمة تسري في مسارات مختلفة

والكلمة المرسلة، على لسان صاحبها الحاضن لها والمتكلم بها، تسري في مسارات مختلفة، على أجهزة استقبال المستمع لها، فتسجل بصمات صوته داخل المتكلم بها والمستمع لها من خلال مرورها بمسارات عديدة داخل الجسيمات الأولية، والذرات داخل الخلية الواحدة وفي خلايا وأنسجة وأعضاء وأجهزة الجسم المختلفة للمستمع، فيتم تسجيلها في كل هذه المسارات بالصوت والصورة والفيديو، بظاهرها المعروف وباطنها المجهول، إن كان طيبًا أو خبيثًا، والذي يخفيه كل من المتكلم أو المستمع عن عامة الناس وخاصتهم.

وهذا معناه أن مسارات الكلمة داخل الجسم، تسجل عبر تقنية إلهية خاصة بوسائل الطبع والنسخ الإلهية في المسارات المختلفة، في جسم كل من المتكلم والمستمع، كما أنها تسجل في مسارات الهواء الذي يحملها، وتحفظ في جنبات الكون بوسائل حفظ خاصة لا تضيع مع الزمن أو حتى مع انهيار الكون وفناءه، قال تعالى: “هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ علىكُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ” (الجاثية: 29).

فكل هذه التسجيلات إلهية أصلية، تتم بقدرات إلهية وتقنية عالية غير محدودة وغير مسبوقة لا يعلم أحد عنها شيء من البشر، وتسجل ببصمات إلهية تحمل في طياتها كل شيء عن حياة الإنسان، منذ ولادته وحتى وفاته وعلى طول عمره وحياته، ومحفورة في مكامن النفس البشرية داخل الروح والجسد وفي ذاته، وفي مكامن الكون ومكوناته بأرضه وسماواته، حتى يعلم الإنسان أنه مراقب في كل أحواله، من قمة رأسه إلى أخمص قدميه بالحرف والكلمة، وكل ما يصدر من جوارحه من أفعال وأقوال وحتى الشهيق والزفير.

وهذا ليس بالشيء العجيب والغريب، ففي حياتنا اليومية، ومن خلال وسائل الاتصال الحديثة والمختلفة في الراديو والتليفزيون والموبايلات، وجميع وسائل التواصل الاجتماعي يتم تسجيل الكلمات بالصوت والصورة بالفيديو تسجيلًا بشريًا، فما بالك بتقنية تسجيل رب البشر سبحانه.

وهذا فيه إعجاز هائل وعظيم عن مسارات الكلمة، وتسجيلها ببصمة صاحبها في كل مكان تذهب إليه حول الكرة الأرضية وفي السماوات العلا.

الدكتور عبدالخالق حسن يونس، أستاذ الجلدية والتناسلية والذكورة بكلية الطب بجامعة الأزهر

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق