مقالات

بداية الخلق

لا شك في أن بداية الخلق كان من ذرة، يتمحور حولها خلق الكون ونشأته، وكانت هذه الذرة هي ذرة الهيدروجين النورانية.

وبتركيبها الذري المتفرد والبسيط، إذا قورنت بعدد العناصر التي اكتشفت في الكون وصنعت في المعامل فوصلت حتى الآن إلى أكثر من مائة وثلاثون عنصرًا.

ولم يكن بداية الخلق معروفة بشكل علمي، إلا بعد البحث والدراسة لكل مكونات الكون المعلومة والتي لا تمثل سوى.0.01% من الكون.

وأن 99.99% من الكون مجهولة عن البشر، غير سر الأكوان الأخرى المجهولة عنا، وغير خلق السموات السبع.

مصداقًا لقوله تعالى: “مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا” (الكهف/ 51 ).

وهذه الإشارة الضمنية في هذه الآية القرآنية، تحمل في طياتها الإعلان المحقق والواقع على أرض الواقع والتي تؤكد العجز التام للإنسان في معرفة حقيقة نفسه وخلقه وحقيقة أصله وفصله وحقيقة خلق الكون الذي يعيش فيه من حوله.

وأن عجزه التام وإخفاقه الكامل والمعلن، محقق في الفروع وواقع في الهوامش، فما بالك بالأصول والأركان .

وهذا معناه أيضًا أن المشاهدة التي تتحدث عنها الآية الكريمة هي الرؤيا الحقيقية لما حدث وقت خلق السموات والأرض، وهذا ما لم يتحقق للإنسان.

فكيف يتحدث عن حقيقة غيبية لم يراها ولم يشاهدها، فالأولى أن الله سبحانه وتعالى هو الذي أجري هذه الحقيقية، وشاهد خلقها أمامه.

وبالتالي هو الذي يملك الحق الحصري في إذاعتها والحديث عنها، وعن كيفية خلقها ونشأتها وإيجادها من عدم وإمدادها من عدم.

وعندما نتقصى حقيقة المشاهدة في خلق السموات والأرض وكيفية وجودهما، نبحث عن الله سبحانه وتعالى ولا أحد سواه.

بداية الخلق تعتمد على مضامين ونظريات

فيما عدا ذلك، فالحديث عن خلق الكون يعتمد على مضامين ونظريات وتخمينات لا ترقى إلى مستوى الحقائق العلمية الواقعة والمجزوم بها والتي تستطيع أن تقيم عليها دليل.

بل قل هي شائعات يبحث فيها العلم عن موطئ قدم له فيها، فلا يجد حتى سراب يحسبه الظمآن ماء فإذا جاءه لم يجده شيئًا.

مصداقًا لقوله تعالى: “وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ” (النور/ 39).

ولذلك نجد أن الاتهام موجه لهؤلاء المضلين، الذين يتحدثون بدون علم عن العدم في غياب المشاهدة، وإنما يتحدثون من خلال نظريات ويسوقون لنا فرضيات، تعود في نهاية المطاف إلى البحث في العدم بعد غياب المشاهدة عن هؤلاء المضلين الذين لا هم لهم سوى تلفيق الأكاذيب في الكثير من الأحيان، والبحث عن الحقيقة في القليل من الأحيان، بعد غيابهم عن مشاهدة خلق السموات والأرض لإنهم كانوا وقتها يعيشون في العدم.

ومن هنا نلاحظ أنه، كلما تحدث الإنسان عن خلقه وعن خلق الكون، تحدث عن العدم، وغاب عنه السر الحقيقي في إخفاء حقيقة خلق الكون وسر خلق الإنسان، عن البشر.

لعدم مشاهدتهم  لخلق السموات والأرض ولا حتى خلق أنفسهم، دليل على غياب السر المكنون، حول خلق السموات والأرض وخلق الإنسان.

والذي سيظل مجهول وعدم مطلق علي الإنسان إلى قيام الساعة، بالرغم من البروفات العلمية التي تظهر بين الحين والآخر، والتي كلما ظهر لها مشاهدة دخلت في العدم في سلسلة متصلة الحلقات.

وهذا معناه أنه كلما خرج الإنسان من دائرة العدم، إلى دائرة المشاهدة، التي أكدتها هذه الآية القرآنية، عاد إليها مرة أخرى، حتى يعود مرة أخرى إلى المربع قبل الصفر.

والذي يقف خلفه العدم، ما يدخل الإنسان في دائرة من العدم ليخرج إلى دائرة أخرى من العدم، فيدخل في حيرة من أمره في خلق السموات والأرض وخلق نفسه.

حتي يوقن في نهاية المطاف أن وراء هذا الخلق تقف قوة الله سيحانه وتعالى وقدرته، والتي سيعترف بها في نهاية المطاف رغمًا عن أنفه، بعد أن أعيته الحيل في البحث عن خلق نفسه وخلق بقية الكائنات القائمة علي خدمته.

وبالرغم من طلاقة قدرة الله سبحانه وتعالى في خلق الكون وخلق الإنسان، إلا أنها لم تردع هذا الإنسان، في العودة إلي خالقه سبحانه وتعالى.

وما زال مصرًا بعلمه الذي وهبه الله سبحانه وتعالى له، وبعقله الذي منحه الله سبحانه وتعالى  إياه، على اختراق الحجب والبحث في المجهول، وفتح الأبواب المغلقة في وجهه.

والتي كلما هم بفتح نافذة صغيرة، غلقت في وجهه أبوابًا كثيرًا، لا أول لها ولا آخر، وكانت الحجب كثيفة الظلال، والتي تحول بينه والكشف عن سر واحد من أسرار الكون المجهولة.

وسينتهي به الأمر في نهاية المطاف من الاعتراف بأن علمه عن خلق الكون والإنسان حصيلته البحث عن المشاهدة في العدم.

لأن ظاهرة العدم الموجودة في كل مكونات الذرة، وفي الفراغ الذي يحيط بنواتها والإلكترون الذي يسبح في مدارات حولها، تنبئ البشر بأمر جلل، لم يدركوا حتى الآن مغزاة.

فكل الجسيمات الأولية الناتجة عن العدم، هي التي تجمعت مع بعضها البعض الآخر وتماسكت، فأوجدت مادة الكون المشاهدة، التي خلق منها الكون .

ومن ثمَّ فإن توالد هذه الجسيمات بهذا العدد الهائل الذي لا يحده زمان ولا مكان، من العدم معناه أن الأصل في خلق الأشياء هو العدم، وأن المشاهدة هي الاستثناء.

ولكن العدم لم يخلق نفسه وإنما خلقته القوة القاهرة التي تقف خلفة والتي تدل علي وجود الله سبحانه وتعالى.

وإذا تمكن الإنسان من تفسير ظاهرة توالد الجسيمات الأولية المتناهية في الصغر التي يطلق عليها بوزنات والتي خلق منها لكون من العدم، ثم اضمحلالها إلى العدم.

فإنه سينتقل من عدم إلى عدم يتوالد علي أثره جسيمات من العدم، وبالتالي لن يتمكن الإنسان من معرفة حقيقة خلق الكون من العدم، ولا إدراك خلق نفسه من العدم، وسيظل علمه عن خلق الكون والإنسان، مثل العدم، ومصيره في الحياة، الذي يبحث فيه عن مشاهدة، فإذا بها يبحث عن العدم في سلسلة متصلة الحلقات، يربط بعضها بالبعض الآخر العدم، والذي يقف خلقه سر الخلق من عدم.

وهذا ما أشار إليه عالم الفيزياء الإسكتلندي بوزون هيغز في نظريته الافتراضية، عن الجسيمات الأولية عام 1964 م،  حيث ذكر فيها إن هذا الجسيم يساعد على التحام المكونات الأولية للمادة، ويعطيها تماسكها وكتلتها.

وتعتمد فرضية هيجز على البحث عن هذا الجسيم الذي وهب صفة الكتلة لكل الجسيمات الأولية في الانفجار العظيم منذ 13.7 مليار سنة، والذي علي أثره تكون الكون.

حيث وجد في الفضاء الخالي حقل من الطاقة سمي بحقل هيغز، وفيه تتحول الطاقة إلى مادة، فتكون جسيمات دون الذرة مختلفة الكتلة، وبعضها منعدم الكتلة.

والذي أدى تفاعلها وسط هذا الحقل من الطاقة، إلى اكتساب الجسيمات كتلتها حسب حجمها، وسميت هذه الجسيمات في هذا الحقل بجسيمات بوزون هيجز.

والتي فيها تتحول الطاقة إلى مادة عند تكوين الجسيم الأولي، وتتحول فيها المادة إلى طاقة عند اضمحلالها.

وهذا فيه إعجاز هائل وعظيم، لأن هذا معناه أن مسيرة الجسيم الأولى الذي يسمى بوزن هيج وهي المادة الأولية التي خلق منها الكون، تبدأ من العدم، وتنتهي بدورها إلى العدم عند اضمحلالها واختفاءها.

ومصدر هذا العدم وجود الطاقة، التي يتشكل من مجالها المغنطيسي الجسيم الأولي، وهذا يؤكد  الحقيقة القرانية التي تتحدث عن أن غياب المشاهدة عن الإنسان في خلق السموات والأرض.

التي تعني العدم، وهذا ما توصل اليه العلماء في نهاية المطاف، بعد مسيرة طويلة من البحث والتنقيب على مدار أكثر من مائة عام، من أن مسيرة البحث في الكون والحياة تنقلهم من عدم إلى عدم.

 

مقال الدكتور عبدالخالق حسن يونس، أستاذ الجلدية والتناسلية والذكورة بكلية الطب بجامعة الأزهر عن بداية الخلق

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق