مقالات

(26) قيم… رمضانية

إذا كان الحديث عن العقيدة معناه ارتباط المسلم بعقد مع الله يوفي فيه المسلم ببنود هذا العقد الذي وقعه في حياته بعد الخير الذي أفاضه الله عليه حتى قبل خلقه، فإن كل تصرفاته في الحياة يجب أن تكون منبثقة عن صدقه في أداء بنود هذا العقد الموقع من طرفه مع ربه والذي يجب أن ينعكس بشكل إيجابي على كل ما يتعلق بمنهج الحياة في العبادات أو المعاملات.

وإذا كانت أركان الإسلام الخمسة تضمن الشهادة بوحدانية الله والشهادة برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا، فإن عمدة هذه الأركان الخمسة تتمحور حول الصلاة التي يوجد بها كل هذه الأركان مجتمعة.

فإذا كان أداء الصلاة والحفاظ عليها من العبادات فإنها تنهى عن ارتكاب الذنوب والمعاصي في المعاملات، مما يدل دلالة قطعية على ارتباط العبادات بالمعاملات في الإسلام برباط وثيق، فلا عبادات دون معاملات ولا معاملات دون عبادات.

ومن هذا المنطلق نجد أن هناك ارتباط وثيق بين العبادات والمعاملات وأن الصلاة هي المعبر عن قبول العبادات والمعاملات وهذا واضح وصريح في قوله سبحانه وتعالى: “اتْلُ مَا أُوحِيَ إلىكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ” (العنكبوت: 45).

فمنهج القرآن الكريم قد تحدَّث عن ارتباط الصلاة كعبادة بالمعاملة كسلوك فإن ثمرتها تتضح في تهذيب التفوس فتخلق وفاق بين الإنسان ونفسه فتنهاه عن الفحشاء والمنكر وتمنعه من الإضرار بمصالح الناس وتدفعه بشكل ذاتي وتلقائي لا تكلف فيه إلى الحفاظ على المصلحة العامة للناس قبل مصلحته الشخصية .

ومن هنا كان لزامًا على المصلي أن يكون نموذج يحتذى به في كلامه الذي يتوافق مع أفعاله وأعماله، بعد أن نقل قيم وأخلاق المسجد إلى خارجه، وفيه لا يبغي إلا كل الخير لكل الناس الذين يعيشون معه ويجاورونه حول الكرة الأرضية، وقد أكد الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المنهج، في قوله: “من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له”، وهذا يؤكد الارتباط الوثيق بين منهج القرآن الكريم ومنهج النبوة المنبثق عنه، فقيمة الصلاة تنبع من كونها صلة بين العبد وربه.

وفيها طهارة وتزكية للنفس وإعلان دائمًا للخضوع لمنهج الله وفيها أيضًا غذاء للروح وتطهير لمادة الجسد والارتقاء بالأصل الترابي للإنسان إلى منزلة الملائكة، فهي دائمًا تصفي ذنوب الإنسان المسلم أول بأول وترقق قلبه وتؤكد أنه وثيق الصلة بربه، وكلما كانت الصلة وثيقة كلما زاد الخير وعمَّ على البشرية.

وبالتالي فإنَّ عدم إدراك الإنسان المسلم لأهمية الصلاة التي تؤدي إلى ضبط سلوكه في الحياة مع نفسه ومع الآخرين نتيجة وقوفه أمام ربه في اليوم والليلة خمس مرات في صلاة دائمة لا تنقطع أبدًا، فهذا يؤدي به إلى عدم استفادته من ثمرة الصلاة الطيبة، فإذا به بدلًا منن أن تنهاه عن الفحشاء والمنكر يقع فيها فتسقط صلاته.

وهذه القيمة الرمضانية العظيمة السادسة والعشرون والتي يجب علينا أن نتعلمها من منهج القرآن الكريم ومنهج النبوة، وأفصح لنا فيها رمضان في الدائرة الثانية في الدنيا من خلال الدائرة الأولى في حياة المسلم والمنبثقة عن العبادة في الصلاة لاحتوائها على الأركان الإسلام الخمسة.

الدكتور عبدالخالق حسن يونس، أستاذ الجلدية والتناسلية والذكورة بكلية الطب بجامعة الأزهر

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق