مقالات

(50) مصر… في الحج

كان السعي بين الصفا والمروة علامة فارقة في حياة هاجر عليها السلام وابنها الرضيع، وبالرغم من الجوع والعطش الذي ألم بها وبرضيعها في جبال مكة التي تتميز بالجفاف وشدة الحرارة الحارقة وقيظها الشديد، إلا أنها لم تستسلم، لهذه المعاناة وظلت تسعى بالرغم من وحدتها وخوفها على وحيدها، فلم تجري مطمئنة ولكنها تسعى وقلبها مليء عن آخره بالخوف والحزن والألم والحيرة على حالها وحال ابنها، الذي يتلوى من شدة الجوع والعطش بجوار الصفا والمروة.

وبالرغم من كل هذه المعاناة، إلا أنها كانت أول بشارة، ببدء أول مناسك الحج التي ألهم الله بها هاجر عليها السلام، من أجل البحث عن بارقة أمل في إنقاذ وليدها وحماية حياته من الجوع والعطش، فكانت النتيجة أن أطعمت وليدها وتحول سعيها إلى عبادة قائمة، وقرآن يتلى إلى قيام الساعة.

قال تعالى: “إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ” (البقرة: 158).

نتيجة السعي بين الصفا والمروة

وكانت النتيجة الحتمية والمؤكدة المترتبة على سعي هاجر عليها السلام، سبعة أشواط بداية بجبل الصفا ونهاية بجبل المروة، فجعل الله الصفا والمروة من شعائر الله، وجعل الطواف بهما فرض عين على كل حاج ومعتمر وبعد انتهاء أشواطها السبعة من السعي، وبذل الجهد مع الصبر والمثابرة والرباط، فوجئت بتدفق الماء من تحت قدم إسماعيل بجوار الصفا والمروة.

لم تصدق ما رأته بعينيها، فذهبت إليه ونزلت مسرعة من على سفح الجبل، تنظر إلى وليدها بعين الرضا والشعور بالأمن والأمان والطمأنينة والسلام عليه، وأخذت تحجز الماء بيديها خوفًا من أن تفقده وهي تنادي على الماء وهو يسمعها وتقول له “زم يا ماء زم يا ماء”، فتوقف عن التدفق، فسمي “زمزم”.

فكان زمزم ثاني مناسك الحج لإطعام الحجيج وسقيهم، والذي بدأته هاجر بالسعي بين الصفا والمروة، وأكمله إسماعيل عليه السلام بقدميه الضعيفتين استمرارًا لبذل الجهد من أجل بلوغ الأمل، فأتت المساعدة الفورية من الله، الذي أرسل جبريل عليه السلام على عجل، فضرب الأرض بأحد جناحيه، فكان ماء زمزم، فحمى الله هاجر ورضيعها.

وهذا فيه إعجاز هائل وعظيم، فماء زمزم كان ضروري ليس لإنقاذ هاجر وابنها إسماعيل عليهما السلام، ولكن ليكون مصدرًا دائمًا وقائمًا للماء يروي الحجيج ويسقيهم إلى قيام الساعة.

الدكتور عبدالخالق حسن يونس، أستاذ الجلدية والتناسلية والذكورة بكلية الطب بجامعة الأزهر

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق