مقالات

(84) مصر… في الحج 

كان الهدف المرجو من فريضة الحج وما زال، إعلان الولاء لله سبحانه وتعالى، ولا أحد سواه وهذا يحمل في طياته كل أعمال الحج وأركانه، فقد كان الحج عملية هائلة، من أجل ترويض النفس في الروح والجسد وأبعادها عن الفساد والإفساد في الأرض، من أجل ترك المعاصي والتخلي عن ارتكاب كل الذنوب والآثام في الغش والكذب والتزوير وأكل أموال الناس بالباطل وغيرها من سائر الموبقات، التي تحط من قيمة الإنسان عند نفسه وعند الآخرين وعند الله ورسوله.

فكان الحج بمثابة علاج لكل الأمراض والعلل الدنيوية، التي يتعرَّض لها الإنسان في حياته وفي طريقه إلى الآخرة، واستعادة صحتة البدنية والروحية، ولذلك يرجع الحاج كيوم ولدته أمه، خالٍ من السيئات، مليء عن آخره بالحسنات، فعاد إلى فطرته النقية الأولى، التي فطر الله الناس عليها، بعد أن تخلص من العطب والعطن الذي يُصيب الإنسان، وعليه أن يحافظ  على هذه الفطرة النقية إلى نهاية حياته في الدنيا.

وهذا هو النموذج الذي يجب أن يصنعه الحج في نفوس الحجاج الحقيقيين، لا الحجاج المزورين، الذين يحملون اسم الحج في المظهر ووليس في الجوهر، لأن واجب الحاج الحقيقي أن يتحول إلى نور ونبراس للآخرين كي يسلكوا نفس طريقه ويمضوا على هداه.

الهدف من الحج

فكان الهدف، من الحج صناعة النموذج البشري الخالص لله، وفيه التذكير بكل من أخلص لله في بناء الكعبة المشرفة بواسطة الملائكة، ثم انتقال هذا الإرث بفضله إلى آدم عليه السلام، وأبناءه من بعده، في شخص إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، اللذين رفعا القواعد من البيت على أصوله، بواسطة جبريل عليه السلام بأمر الله، والتذكير بالمناسك، وحج محمد صلى الله عليه وسلم.

وفي نفس الوقت كان الهدف من الحج، إعلان الولاء لله سبحانه وتعالى وطاعة أنبياءه ورسله، فتتحول أعمال الحج إلى ممارسة عملية، في حياة الحاج بعد رجوعه من مكة المكرمة، كي يُمارس حياته بشكل طبيعي بين الناس، فيعلي من قيم الحق ويحط من مساوئ الباطل.

فينقل قيم وأخلاق الحج، من الحج الذي لا يستغرق أسبوع، إلى بيئته وحياته وأهله وجيرانه، والتي تستغرق عمره كله، فكان الحج بمثابة نموذج سريع ومصغر للآخرة، يتم تدريب المؤمنين بوحدانية الله بشكل دوري، ومنتظم من أجل نشر وانتشار هذه القيم بين المجتمع المسلم وتجديدها بانتظام في أيام معلومات.

فالحج ركن عظيم من أركان الإسلام وعمود من أعمدته الخمسة، التي يُجدِّد فيها الإنسان الولاء لله سبحانه وتعالى في حياته، فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، تتجدد في كل لحظة، وتؤكد من قبل المسلم في كل أقواله وأفعاله وأعماله، وفي الصلاة تجديد دائم وقائم خمس مرات في اليوم والليلة.

أركان الإسلام الخمسة

وفيها أركان الإسلام الخمسة، وفي الزكاة الامتثال لأمر الله في إعانة الفقير، الذي لولاه ما وجد الغني، وفي الصيام تدريب على القناعة والطاعة والولاء لله ورسوله، وفيه الحج الذي يحتوي على كل هذه الأركان، والذي يهدف بالدرجة الأولى، إلى نقل كل هذه الأعمال إلى الواقع كي تصبح واقع على أرض الواقع، مثله مثل باقي الأركان، فتتحول كل أعمال  العبادات إلى أقوال وأفعال وأعمال في نطاق المعاملات، وتعبر عن هذه الأركان.

وهذا فيه إعجاز هائل وعظيم، أن يجمع الحج بين أركان الإسلام، ويربط بين الدنيا والآخرة، من خلال صناعة نموذج دنيوي له امتداد أخروي، باعتبار أن الحج نموذج مصغر في الدنيا  للآخرة.

الدكتور عبدالخالق حسن يونس، أستاذ الجلدية والتناسلية والذكورة بكلية الطب بجامعة الأزهر

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق